الشيخ عبد الغني النابلسي

25

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

تلتفتوا فإن اللّه عز وجل ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت » ، ومعنى ذلك مقابلة العبد للصورة التي في نفسه يرى ربه تعالى تجلى عليه فيها فيعبد اللّه تعالى بصلاته وهو كأنه يراه وقوله : ينصب وجهه فإن تلك الصورة شيء . وقد قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] والوجه هو الحقيقة الإلهية الوجودية المحضة المنزهة عن جميع القيود الحسية والعقلية ( فلذلك ) ، أي لكونه يستعمل حضرة الخيال في وقت عبادة ربه فيعبده سبحانه وهو متصور له كأنه يراه من غير حصوله في صورة ( هو ) ، أي من ألقى سمعه ( شهيد ) ، أي مشاهد للحق تعالى سواء عرف أو لم يعرف فإن عرف كان من القسم الأوّل الذين هم أهل التجلي والشهود في عين الجمع وإن لم يعرف كان من أهل الإيمان المقلدين للأنبياء والمرسلين فيما جاؤوا به من رب العالمين . * * * ومن قلّد صاحب نظر فكريّ وتقيّد به فليس هو الّذي القى السّمع ، فإنّ هذا الّذي ألقى السّمع لا بدّ أن يكون شهيدا لما ذكرناه ومتى لم يكن شهيدا لما ذكرناه فما هو المراد بهذه الآية . فهؤلاء هم الّذين قال اللّه تعالى فيهم : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [ البقرة : 166 ] والرّسل لا يتبرّؤون من أتباعهم الّذين اتّبعوهم فحقّق يا وليّي ما ذكرته لك في هذه الحكمة القلبيّة . وأمّا اختصاصها بشعيب لما فيها من التّشعيب أي شعبها لا تنحصر ، لأنّ كلّ اعتقاد شعبة فهي شعب كلّها ، أعني الاعتقادات . ( و ) أما ( من قلد صاحب نظر ) ، أي دليل ( فكري ) عقلي كمقلدة علماء الكلام من الأشاعرة وغيرهم ( وتقيد به ) ، أي بصاحب ذلك النظر الفكري ولم يحل عن نظره ( فليس هو الذي ألقى السمع ) ، لأنه ما ألقى السمع لما وردت به الأخبار الإلهية من حيث هي أخبار إلهية ، وإنما ألقى السمع لنظير صاحب ذلك النظر الفكري ولدليله العقلي وإن كان مستندا إلى الأخبار الإلهية من حيث ما هو ناظر فيها ومستدل بدليل عقله ( فإن هذا الذي ألقى السمع ) الوارد في الآية ( لا بد أن يكون شهيدا ) ، أي مشاهدا ( لما ذكرناه ) من استعمال حضرة خياله في تصوّر معبوده من غير حصر له في صورة ( ومتى لم يكن شهيدا لما ذكرناه ) من ذلك ( فما هو المراد بهذه الآية ) في قوله تعالى : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ، فإن جملة قوله : وَهُوَ شَهِيدٌ حال . والأحوال قيود في المعنى ( فهؤلاء ) ، أي الذين قلدوا أصحاب الأفكار والأنظار العقلية ( هم الذين قال